صل نسبة دول الإتحاد الأوروبي من إعتمادها على الغاز الطبيعي القادم من روسيا ما بين 30% الى نحو 400% حيث يستخدم لتوليد الكهرباء في الدول الأوروبية ليتراوح مزيج الطاقة الأوروبي من الغاز ما بين 10% حتى 35% من المزيج الكلي بحسب ما قاله الخبير د. فيصل مرزا لصحيفة الرأي الكويتية.

وأضاف مرزا أنه بالنظر إلى تسعيرة الغاز الروسي، نجدها مرتبطة بأسعار النفط، لذلك نجد انخفاضاً كبيراً في إيرادات صادرات الغاز الروسية في 2016 حتى في الوقت الذي وصلت فيه صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا ذروتها، بعد أن حققت روسيا رقماً قياسياً من إنتاج الغاز وصل إلى 179 مليار متر مكعب في عام 2016، نرى أنه لم يسفر حجم الصادرات القياسي هذا عن زيادة كبيرة في الإيرادات الروسية من تصدير الغاز بسبب تدني أسعار النفط، ولذلك فمن المرجح زيادة متوسط سعر تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا في ظل التفاؤل الروسي بارتفاع الطلب الأوروبي المتزايد على الغاز.

تطفو على السطح إرهاصات اتفاق تعاون بين الاتحاد الأوروبي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وبانتظار مصادقة البرلمان الأوروبي. فيا ترى إن تحقق التوافق المطلوب لقيام هذا التعاون، فهل يمكن له سدّ كل احتياجات أوروبا من الغاز؟ في الوقت الذي يمر فيه 80 في المئة من واردات الغاز الروسي المستهلك في الاتحاد الأوروبي عبر خطوط الأنابيب التي يبلغ عددها 13 أنبوباً هي:

4 خطوط أنابيب مباشرة إلى فنلندا وأستونيا ولاتفيا وألمانيا

4 خطوط أنابيب عبر بيلاروسيا إلى ليتوانيا وبولندا

5خطوط أنابيب عبر أوكرانيا، تتجه إلى سلوفاكيا ورومانيا وهنغاريا وبولندا (أوروبا الشرقية) والتي لاتزال تعتمد على روسيا، لسدّ جميع احتياجاتها من الغاز تقريباً، وتخشى من نقص إمدادات الغاز خلال فصل الشتاء، بسبب التوتر الحاصل بين روسيا وأوكرانيا، ما يزيد من حجم مخاوفها من أن روسيا قد تقطع إمدادات الغاز عبر أوكرانيا خلال فصل الشتاء.

أمام هذا الوضع لابدّ من الإقرار بأن هناك أزمة حقيقية في سدّ احتياجات أوروبا من الغاز، ولذلك نرى السعي الحثيث من دول الاتحاد الأوروبي في سبيل تثبيت هذا التعاون لتخفيف هذه الأزمة، والعمل على تفعيل التعاون في ما بينها لسدّ هذه الاحتياجات مع تقليل ضغط الاعتماد على روسيا، فيما تعد خطة الغاز جزءاً من محاولة بعيدة المدى لتأمين إمدادات الطاقة، في الوقت الذي تعتبر فيه روسيا أكثر تفاؤلا في شأن إمدادات الغاز من خطوط الأنابيب في المستقبل إلى الاتحاد الأوروبي، لان الطلب الأوروبي على الغاز يمكن أن ينمو بمقدار 150 مليار متر مكعب سنويا بحلول عام 2035.

ولمزيد من التوضيح سأطرح السؤال التالي: هذا الاتفاق الأوروبي يعتبر فرصة لخطوط أنابيب غاز جديدة آتية إلى أوروبا عبر تركيا أو عبر «الكيان الإسرائيلي»، فهل من الممكن أن يستبدل خط أنابيب جنوب أوكرانيا، وهل سيكون أحد هذه الخطوط هو الحل الأمثل لأوروبا؟ ولماذا؟

وللإجابة سأقول «نعم هناك خطوط أنابيب غاز جديدة تعبر تركيا في طور البناء حالياً تقريبا في الفترة الزمنية نفسها، ومن المحتمل جهوزيتها في عام 2020 وهما:

الخط الأول: خط أنابيب«تورك ستريم»والذي سينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا والاستغناء عن خط جنوب أوكرانيا، عن طريق إقامة خطين من الأنابيب عبر قاع البحر الأسود، بطاقة إنتاجية تبلغ 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا. هذا الخط سيخدم السوق التركية بالدرجة، وما فاض عن حاجتها فسيكون للسوق الأوروبية.

وهذا الخط حتى وإن ساعد في وصول روسيا إلى أسواق الغاز في جنوب شرقي أوروبا، بما في ذلك اليونان وإيطاليا، فإن حجم الغاز المنقول سيكون محدودا إلى تلك الدول لأن هناك خط أنابيب واحدا يربط بين تلك الدول في الوقت الحالي.

ومن أهداف هذا الخط أن يجعل من تركيا مركزاً جديداً للغاز الروسي المنقول إلى أوروبا وإحلالها بدلاً من أوكرانيا التي تحيط بها الكثير من التحديات، والتي بسببها عانت كثيراً من نزاعات تسعير الغاز.

الخط الثاني: اتفقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وتركيا، حول نقل الغاز من قبالة ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث تقدر احتياطيات الغاز بنحو 622 مليار متر مكعب، ويتم ذلك عبر خط أنابيب تحت البحر الأبيض المتوسط إلى ميناء جيهان جنوب تركيا، وسينقل هذا الخط ما يقارب من 21 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا.

ومن المرجح هنا، انه وإن تحقق للكيان العبري تنفيذ العديد من صفقات التصدير الإقليمية للاحتياطيات الجديدة من الغاز، والتي من شأنها أن تقلل من اعتماد تركيا على الغاز الروسي، مساعدة تركيا على تنويع مصادر إمدادات الطاقة، إلا أنه من المؤكد أن الاستدامة والكفاءة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية ستظل احتمالا ضئيلاً جداً.

بل وحتى هذا الاحتياطي بقدر 622 مليار متر مكعب يمثل ما تنتجه روسيا في 3 سنوات تقريبا، وإنتاج 21 مليار متر مربع من الغاز الطبيعي سنوياً لن يكفي أن يغذي السوق الأوروبي، وقد يصدر إلى تركيا فيستهلك محليا فقط. هذا بالإضافة إلى أن بناء خط أنابيب كهذا سيتطلب الكثير من العمل الفني والاتفاقات الحكومية الدولية والتجارية بين كل الدول المعنية.

على الضفة الأخرى، نرى أن فنلندا وبعض بلدان أوروبا الشرقية كأستونيا وليتوانيا وبولندا وفنلندا لديهم فرصة للاستثمار وبكثافة في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، لوجود الممرات المائية، ويبدو أن بولندا على استعداد لدفع الثمن الباهظ لفطم بلادهم عن الغاز الروسي، وهذا ما لا تقدر عليه الحكومات الأوروبية الأخرى، لأن استثمارات البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال مكلفة جداً، وهذا ربما ما سيجبر الحكومات الأوروبية التي تعاني من ضائقة مالية على تخصيصها لتأمين واردات الغاز الطبيعي المسال من دولة قطر.

الواقع أن قطر بما لديها من قدرات في مجال الغاز، إن تمكنت تدريجياً من إيقاف اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي الروسي، فإن ذلك سيعني وقوع الاقتصاد الروسي في معاناة حقيقية، وسيعاني الاقتصاد الروسي عندئذ رغم كل التدابير المتخذة، خصوصا على المدى الطويل.

قطر إذا استطاعت تمكين الاتحاد الأوروبي من تنويع مصادره تدريجيا من الغاز، فسيفقد الكرملين قدراً من النفوذ على بروكسل (المفوضية الأوروبية) على طاولة المفاوضات، فدخول قطر كبديل حاضر وبقوة تنافسية واضحة سيغير كثيراً في قواعد اللعبة، فلا يمكن بحال اليوم فصل الجانب الاقتصادي عن الجوانب السياسية في الحراك الدولي.

Operai al lavoro su tubature per il progetto Nord Stream, in una fabbrica a Mukran, sul Baltico.  REUTERS/Christian Charisius
Leave Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

clear formSubmit